الشيخ السبحاني

290

بحوث في الملل والنحل

بينكما . فباتت المدينة تغلي كالمرجل ، يقول قائل : قال زيد كذا ، ويقول قائل : قال عبد اللَّه كذا . فلما كان الغد جلس خالد في المسجد واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم ، فدعا بهما خالد وهو يحب أن يتشاتما ، فذهب عبد اللَّه يتكلم ، فقال زيد : لا تعجل يا أبا محمد ، أعْتَقَ زَيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً . ثمّ أقبل على خالد فقال : جمعت ذرية رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لأمرٍ ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر ! فقال خالد : أما لهذا السفيه أحد ؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال : يا ابن أبي تراب وابن حسين السفيه ! أما ترى للوالي عليك حقاً ولا طاعة ؟ فقال زيد : اسكت أيّها القحطاني فإنّا لا نجيب مثلك . قال : ولِمَ ترغب عني ؟ فو اللَّه إنّي لخير منك ، وأبي خير من أبيك ، وأُمي خير من أُمّك . فتضاحك زيد وقال : يا معشر قريش هذا الدين قد ذهب فذهبت الأحساب ، فوالله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم . فتكلم عبد اللَّه بن واقد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ، فقال : كذبت واللَّه أيّها القحطاني ! فوالله لهو خير منك نفساً وأُماً وأباً ومحتداً . وتناوله بكلام كثير ، وأخذ كفاً من حصباء وضرب بها الأرض ثمّ قال : إنّه واللَّه ما لنا على هذا من صبر . وشخص « 1 » زيد إلى هشام بن عبد الملك ، فجعل هشام لا يأذن له ، فيرفع إليه القصص ، فكلّما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها : أرجع إلى أميرك ، فيقول زيد : واللَّه لا أرجع إلى خالد أبداً . ثمّ أذن له يوماً بعد طول حبس ورَقِيَ « 2 » عليّة طويلة ، وأمر خادماً أن يتبعه بحيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول ، فصعد زيد ،

--> ( 1 ) . سياق العبارة : أنّ شخوصه إلى هشام كان لحل عقدة تولية الأوقاف : ولكنه غير صحيح لما سيوافيك في تعليقنا للقصة . ( 2 ) . أي هشام بن عبد الملك .